صندوق الاستثمارات العامة ينتقل نحو تعظيم القيمة مع تجديد قيادة هيئة السوق المالية

رسمت المملكة هذا الأسبوع ملامح المرحلة المقبلة لمضاعفة العوائد على ما تم بناؤه. فقد أعلن صندوق الاستثمارات العامة استراتيجيته للأعوام 2026-2030، منتقلاً من حقبة التوسع السريع في بناء الحجم إلى ما يسميه مرحلة تحقيق القيمة، عبر هيكل من ثلاث محافظ يمنح المستثمرين الدوليين خارطة أوضح لمواضع المشاركة وسبلها. وبالتوازي، صدر أمر ملكي بتجديد قيادة هيئة السوق المالية، ليمنح الجهة التنظيمية توجهاً جديداً مع دخول السوق النصف الثاني من العام بزخم قوي.
الاستراتيجية: صندوق الاستثمارات العامة يحدد مرحلة تحقيق القيمة للأعوام 2026-2030
يعرّف الصندوق السنوات الخمس المقبلة بوصفها مرحلة لتحقيق القيمة: تحول مقصود من بناء الحجم إلى تحسين كفاءته. وتصف الاستراتيجية ثلاثة تحولات بلغتها الخاصة: من البناء إلى التحسين، ومن القطاعات إلى المنظومات، ومن القيادة العامة إلى القيادة الخاصة. ويبقى ضخ رؤوس الأموال على نطاق واسع خياراً متاحاً ، غير أن التركيز ينصرف الآن إلى الملكية النشطة والتميز التشغيلي وكفاءة رأس المال والاستدامة المالية عبر محفظة اكتملت ملامحها بالفعل.
والسجل التنفيذي الذي يقف خلف هذا التحول سجل متميز. فقد نمت الأصول تحت الإدارة من 150 مليار دولار أمريكي في عام 2015 إلى أكثر من 900 مليار دولار بنهاية عام 2025، موزعة على محفظة تضم أكثر من 220 شركة. وأسهمت أنشطة الصندوق بما مجموعه 342 مليار دولار في الناتج المحلي غير النفطي السعودي بين عامي 2021 و2025، لتشكل نحو 11% من الناتج المحلي غير النفطي بنهاية تلك الفترة. كما استثمر الصندوق أكثر من 199 مليار دولار في مشاريع جديدة داخل المملكة خلال الفترة من 2021 إلى 2025، وأنفق الصندوق وشركاته المحفظية أكثر من 157 مليار دولار مع القطاع الخاص المحلي بين عامي 2020 و2024، فيما بلغت نسبة المحتوى المحلي 57% في عام 2024.
ويمثل الهيكل الجزء الأهم بالنسبة للمستثمرين. إذ ينتظم رأس المال الآن في ثلاث محافظ لكل منها تفويض مستقل. فمحفظة الرؤية تستثمر في ست منظومات استراتيجية وتحفزها: السياحة والسفر والترفيه؛ والتطوير العمراني وجودة الحياة؛ والتصنيع المتقدم والابتكار؛ والصناعات والخدمات اللوجستية؛ والطاقة النظيفة والمياه والبنية التحتية المتجددة؛ ونيوم. أما المحفظة الاستراتيجية فتدير بفاعلية الحيازات الاستراتيجية الكبرى للمملكة للوصول بها إلى الريادة العالمية، مع تنفيذ استثمارات دولية في التقنيات التحويلية واستدامة الطاقة والموارد والتحول الصناعي. وتعمل المحفظة المالية على تعظيم العوائد المالية المتنوعة عبر استثمارات إلى جانب شركاء عالميين رائدين.
وما يراه المستثمرون هنا هو صندوق سيادي يفصح عن منطقه التشغيلي. فلكل محفظة تفويض معلن، وملف مخاطر وعائد، وآلية لقياس الأداء، بما يتيح للأطراف المقابلة أن تحدد بدقة الباب الذي تنتمي إليه فرصتها.
الشركاء الدوليون: ما تتيحه الاستراتيجية للمؤسسات العالمية
القراءة الأوضح للاستراتيجية من منظور مؤسسة عالمية هي أن الصندوق يدعو رؤوس الأموال إلى الداخل بقدر ما يوجهها إلى الخارج. ويؤكد الصندوق أن الشراكات تضاعف القدرات وتسرّع الأثر، وأنه يقود الاستثمارات المشتركة والمشاريع المشتركة مع شركاء عالميين ومحليين رائدين للوصول إلى القدرات واستقطاب رؤوس الأموال وتقاسم المخاطر. وتذهب المحفظة المالية إلى أبعد من ذلك، إذ تصف دورها بتعزيز الشراكات الدولية الاستراتيجية بما يسهم في جذب رؤوس الأموال إلى بقية محافظ الصندوق. وبالنسبة لمدير الأصول أو شركة التأمين أو صندوق التقاعد أو مؤسسة التمويل التنموي، فهذا إعلان صريح عن نية الاستثمار المشترك.
ونموذج المنظومات هو ما يصنع نقاط الدخول. فالصندوق يصف نفسه بأنه يوظف رأس المال بصورة انتقائية لتأسيس الحجم وتقليص مخاطر المراحل المبكرة وترسيخ الطلب، على أن يتولى المشغلون والمطورون والمصنعون ومقدمو الخدمات والمستثمرون من القطاع الخاص قيادة التنفيذ والتشغيل والتوسع مع نضج المنظومات. ويُتوقع أن يتسع نطاق التمويل ليشمل حقوق ملكية الصندوق والأرباح المحتجزة والاستثمار الخاص المحلي والدولي، بما يدعم إعادة تدوير رأس المال وانتقال الأصول من التطوير بقيادة القطاع العام إلى النمو بقيادة القطاع الخاص. وتضيف المحفظة الاستراتيجية قناة في الأسواق العامة، عبر تحسين السيولة من خلال الإدراجات الاستراتيجية وعمليات التخارج ونشاط أسواق المال مع نقل الأصول إلى القطاع الخاص بصورة مسؤولة.
وثمة ثلاث سمات تجعل هذا الطرح قابلاً للاستثمار عملياً لدى المؤسسات. فالحوكمة متوائمة مع مبادئ سانتياغو وأفضل الممارسات الدولية، بما يمنح لجان الالتزام الائتماني مرجعاً مألوفاً. والأداء يقاس على آفاق زمنية متعددة السنوات، وهو ما يناسب التزامات صناديق التقاعد وشركات التأمين. كما أن أطروحة الاستثمار الدولي محددة لا انتهازية، وتتركز في التقنيات التحويلية واستدامة الطاقة والموارد والتحول الصناعي، بما يتيح للشركاء الإسهام بالخبرة القطاعية لا برأس المال وحده.
وقد أصبحت مساحة الفرص واضحة المعالم: استثمار مشترك إلى جانب مرتكز في منظومات محلية قليلت المخاطر، وشراكة في موضوعات عالمية عالية القناعة، ومسار متنامٍ من الإدراجات وعمليات التخارج مع انتقال الأصول الناضجة إلى السوق. وتقدم المملكة العربية السعودية للمؤسسات العالمية سبيلاً منظماً للمشاركة في مسيرة تحولها.
أسواق المال: أمر ملكي بتعيين مازن السديري رئيساً لمجلس هيئة السوق المالية
صدر أمر ملكي من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود بإعفاء محمد بن عبدالله القويز من منصبه رئيساً لمجلس هيئة السوق المالية، وتعيين مازن بن تركي السديري رئيساً لمجلس الهيئة بمرتبة وزير، ليكون سادس من يتولى رئاسة الهيئة.
ويضع هذا التعيين اسماً بارزاً في التحليل المالي والاقتصادي السعودي على رأس الجهة المنظمة للسوق. فقد ترأس السديري إدارة الأبحاث في الراجحي المالية، وشغل مناصب بحثية قيادية في الاستثمار كابيتال وسامبا كابيتال قبل ذلك، ويعمل منذ مايو 2024 مستشاراً في الأمانة العامة لمجلس الوزراء.
والرسالة التي تصل إلى المستثمرين هي رسالة تجديد مؤسسي في لحظة قوة. فالقيادة التنظيمية تتجدد فيما يمضي قدماً برنامج الإصلاح الذي جعل السوق السعودية مكوناً في المؤشرات العالمية، ويأتي التوقيت منسجماً مع ما أعلنه صندوق الاستثمارات العامة من عزم على طرح مزيد من الأصول في السوق عبر الإدراجات ونشاط أسواق المال.
وبقراءة الأسبوع في مجمله، تتضح صورة منظومة ترتب مؤسساتها استعداداً للمرحلة المقبلة. فأكبر مستثمر في المملكة أعلن كيف سيوزع رأس المال ويحوكمه ويقيس أثره حتى عام 2030، وأفرد في خطته دوراً للشركاء الدوليين. وتبدأ الجهة المنظمة للسوق فصلاً جديداً بقيادة جديدة بمرتبة وزير.
وبالنسبة للمستثمرين، تزداد الأطروحة وضوحاً: المملكة تنتقل من البناء إلى التحسين، وتفتح الباب أمام المؤسسات العالمية وهي تفعل ذلك. ويبدأ النصف الثاني من عام 2026 بخارطة واضحة ودعوة معلنة إلى الاستثمار المشترك.
المصادر
· صندوق الاستثمارات العامة، استراتيجية الصندوق 2026-2030، النسخة العامة، 2026
· الديوان الملكي، أمر ملكي بإعفاء محمد بن عبدالله القويز وتعيين مازن بن تركي السديري رئيساً لمجلس إدارة هيئة السوق المالية بمرتبة وزير، 13 أغسطس 2026



